فخر الدين الرازي

106

شرح عيون الحكمة

ولنرجع إلى تفسير ألفاظ الكتاب : واعلم : أن « الشيخ » لم يرتب كلامه في هذه الحجة على النظم الطبيعي ، ولكنه ذكر مقدمات تسعة ، وما أشار إلى كيفية نظمها . فالمقدمة الأولى : قوله : « كل ما ماس شيئا بكليته ، فما ماس أحدهما ، ماس الآخر » فالمراد : أنا لو فرضنا أن جزءين تماسا بكلية ذاتيهما ، وجب أن تكون ذات كل واحدة منهما نافذة بالتمام في تمام ذات الآخر . وإذا كان الأمر كذلك ، فإذا جاء جزء ثالث ، وماس أحدهما وجب أن يكون قد ماس الآخر . إذ لو صار أحدهما ممسوس هذا الثالث ، ولم يصر الثاني ممسوسا له ، فحينئذ تكون ذات المسوس مبانية لذات غير الممسوس وغير نافذة فيه ، ولا مداخلة فيه بالأسر . وقد فرضنا أن الأمر كذلك . هذا خلف . فثبت : أن كل ما ماس شيئا آخر بكليته ، فكل ثالث ماس أحدهما ، فإنه لا بد وأن يماس الآخر . وهذه المقدمة انما يحتاج إليها في بيان أنا لو فرضنا كون الجزءين متلاقيين بالأسر ، لكان إذا جاء الثالث ولقيهما ، وجب أن يكون هذا الثالث ملاقيا لهما أيضا بالأسر ، وحينئذ يلزم أن لا يزيد مقدار الثلاثة على مقدار الواحد . وأيضا : يلزم أن لا يبقى بين تلك الأجزاء ترتيب ولا تباين في الإشارة الحسية . وكل ذلك محال . والمقدمة الثانية : قوله : « كل متماسين ، لا بالأسر ، فهما متميزان بالوضع » فالمراد : أنه إذا لم تكن كلية أحدهما سارية في كلية الآخر ، كانت متباينة عنه ، فهما متميزان لا محالة بالإشارة . وهذا الكلام حق . وأنا أظن أنه لو قال : كل متميزين بالوضع فهما يتماسان لا بالأسر ، لكان أولى . لأن غرضه في تقرير هذه المقدمة أن يقول : لكن الأجزاء متميزة في الوضع ، فهي غير متلاقية بالأسر . وذلك لأن استثناء عين المقدم ، ينتج عين التالي . أما إذا قلنا : كل متماسين لا بالأسر فهما متميزان بالوضع ، لكن الأجزاء متميزة بالوضع ، فهما متماسان لا بالأسر . كان هذا باطلا . لأن استثناء عين التالي لا ينتج عين المقدم . والمقدمة الثالثة : قوله : « كل متميزين بالوضع ، فان تجاوزهم